أحمد بن محمد القسطلاني

77

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والصدق ( والعفاف ) بفتح العين أي الكف عن المحارم وخوارم المروءة ( والصلة ) للأرحام وهي كل ذي رحم لا تحلّ مناكحته أو فرضت الأنوثة مع الذكورة ، أو كل ذي قرابة . والصحيح عمومه في كل ما أمر الله به أن يوصل كالصدقة والبر والإنعام . قال في التوضيح : من تأمل ما استقرأه هرقل من هذه الأوصاف تبين له حسن ما استوصف من أمره واستبرأه من حاله والله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعدته المقادير بتخليد ملكه والأتباع ( فقال ) هرقل ( للترجمان قل له ) أي لأبي سفيان : ( سألتك عن ) رتبة ( نسبه ) فيكم أهو شريف أم لا ( فذكرت أنه فيكم ذو ) أي صاحب ( نسب ) شريف عظيم ( فكذلك ) بالفاء وللأربعة وكذلك ( الرسل تبعث في ) أشرف ( نسب قومها ) جزم به هرقل لما تقرر عنده في الكتب السالفة . ( وسألتك : هل قال أحد ) ولأبي ذر كما في الفرع كأصله وسألتك قال أحد ( منكم هذا القول ) زاد في نسخة قبله . ( فذكرت أن لا فقلت ) أي في نفسي وأطلق على حديث النفس قولاً ( لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله ) يأتسي بهمزة ساكنة بعدها مثناة فوقية مفتوحة وسين مهملة مكسورة أي يقتدي ويتبع . ولأبي ذر عن الكشميهني يتأسى بتقديم المثناة الفوقية على الهمزة المفتوحة ، وفتح السين المشدّدة . ( وسألتك هل كان من آبائه من ملك ) وللكشميهني من ملك بفتح الميمين ( فذكرت أن لا قلت ) وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني فقلت ( فلو ) ولأبي الوقت لو ( كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه ) . فإن قلت لم قال أبيه بالإفراد ؟ أجيب : ليكون أعذر في طلب الملك بخلاف ما لو قال ملك آبائه أو المراد بالأب ما هو أعم من حقيقته ومجازه . نعم في سورة آل عمران آبائه بالجمع . فإن قلت لم قال هرقل فقلت في هذين الموضعين وهما : هل قال هذا القول أحد منكم ، وهل كان من آبائه من ملك ؟ أجيب : بأن هذين المقامين مقاما فكر ونظر بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل . قال هرقل لأبي سفيان : ( وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد أعرف أئه لم يكن ليذر ) اللام فيه لام الجحود لملازمتها النفي وفائدتها تأكيد النفي نحو : { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } [ النساء : 168 ] أي لم يكن ليدع ( الكذب على الناس ) قبل أن يظهر رسالته . ( ويكذب ) بالنصب ( على الله ) بعد إظهارها . ( وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل ) غالبًا لأنهم أهل الاستكانة بخلاف أهل الاستكبار المصرّين على الشقاق بغيًا وحسدًا كأبي جهل ، ويؤيد استشهاده على ذلك قوله تعالى : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُون } [ الشعراء : 111 ] المفسر بأنهم الضعفاء على الصحيح . قال هرقل لأبي سفيان ( وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان ) فإنه لا يزال في زيادة ( حتى يتم ) بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها ، ولهذا نزل في آخر سنيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] . ( وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين ) بالنون ، وفي بعض النسخ حتى بالمثناة الفوقية ، وفي آل عمران ، وكذلك الإيمان إذا خالط قال في الفتح وهو يرجح أن رواية حتى وهم ، والصواب وهو رواية الأكثر حين ( تخالط ) بالمثناة الفوقية ( بشاشته القلوب ) بفتح الموحدة والشينين المعجمتين وضم التاء وإضافته إلى ضمير الإيمان . والقلوب نصب على المفعولية . أي تخالط بشاشة الإيمان القلوب التي تدخل فيها ، وللحموي والمستملي يخالط بالمثناة التحتيه بشاشة بالنصب على المفعولية والقلوب بالجر على الإضافة ، والمراد ببشاشة القلوب انشراح الصدر والفرح والسرور بالإيمان . ( وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر ) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر بخلاف من طلب الآخرة . ( وسألتك بما يأمركم ) بإثبات الألف مع